سيدنا سماحة المرجع السؤال التالي من عدة نقاط :
أ. كيف يمارس الفقيه عملية الاستنباط واستخراج الحكم الشرعي ؟
ج. بسبب عدم معرفة الكثير من المسلمين معنى الاجتهاد، فيتصور البعض منهم أنَّ عملية الاجتهاد هي عملية مرتبطة بطبقة معينة من رجال الدين ومنصبهم الديني كما هي الحال بالنسبة إلى بعض المناصب الدينية في الديانات الأخرى، وأن الأحكام الفقهية والفتاوى هي رؤية شخصية للفقيه، فهو الذي يقدر ويقرر الأحكام بناءاً على تقديرات شخصية أو اجتهادات ذاتية أو تبرير لأحداث ووقائع واستجابة لاعتبارات معينة.
إنَّ هذا الفهم – ولاشك- يمثل الجهل بالشريعة الإسلامية وبالفقه والاجتهاد الإسلامي..
فالفقه والاجتهاد في الإسلام ليس كذلك ولا علاقة لأي عنصر أو عامل شخصي فيه، كما أنه لا يمكن أن يكون علمية تبرير للواقع على أساس رؤية شخصية أو مسايرة للأحداث أو مجرد استجابات عفوية وكيفما اتفق..
بل الاجتهاد: هو عبارة عن عملية علمية يمارسها الفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية الخاصة بتنظيم الحياة الإنسانية) وله مصادره وأدلته وأصوله ومناهجه وضوابطه، تماماً كما هي الحال بالنسبة لكافة العلوم والمعارف الإنسانية، كعلم المنطق والفيزياء والرياضيات... الخ,
فكما أن عالم المنطق والفيزياء والنحو والرياضيات لا يستطيع أن يضع قوانين من عنده وبصورة ارتجالية اعتباطية، فكذلك الفقيه، فإنه لا يستطيع أن يضع ويشرّع قوانين كيفية، فإن طبيعة الشريعة وبنيتها القانونية والفكرية بمثل هذه العملية.
ذلك لأنّ أي استنباط فقهي إنما هو مقيّد بأدلته وأصوله وقواعده وضوابطه وأنَّ أية محاولة للخروج عن هذه القواعد والمناهج والمقررات العلمية، يشكل اتباعاً للهوى وخروجاً عن روح الشريعة ومبادئها.
ب. لماذا يختلف الفقهاء في الفتوى ؟
جـ. بقي علينا أن نجيب على سؤال مهم وخطير والذي هو النقطة الثانية في السؤال وهو إذا كانت الشريعة واحدة، وقوانينها واحدة، فلماذا يختلف الفقهاء، وتتعدد آرائهم في قضية واحدة؟ .. أو بعبارة أدق، لماذا تتعدد أحكام الفقهاء الخاصة بموضوع واحد؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من التفريق بين حالتين:-
حالة يكون فيها الاختلاف قائماً على أسس منهجية سليمة، وممارسة علمية مشروعة.
وحالة أخرى، ينتج فيها الاختلاف عن الاجتهاد الكيفي المرتجل الذي لا يقوم على أساس سليم ولا ينبع من أصول علمية منسجمة مع روح الشريعة ومصادرها، فالاختلاف الأول نتيجة طبيعية لنشاط علمي سليم، والفقهاء معذورون غير مؤاخذين. أما الاختلاف الثاني، فليس اجتهاداً ولا فقهاً، بل هو عملٌ اعتباطيٌ مقحم على روح الشريعة ومبادئها.
فعلم الفقه –كما بينا- كغيره من العلوم والمعارف الإنسانية في هذا الجانب، فكما أن لكل علم من العلوم قوانينه وقواعده الواقعية والطبيعية الخاصة به، فكذلك الشريعة الإسلامية لها أحكامها وقوانينها، وكما أن عالم الفيزياء-في مثالنا- يبذل جهده العلمي لاكتشاف قوانين الفيزياء حسب واقعها الطبيعي. وعالم المنطق يبذل جهده لاكتشاف قوانين التفكر وفق واقعها العقلي وليس بإمكان أحدهما أن يخلق من عند نفسه قوانين خاصة للمنطق والفيزياء.
فكذلك الفقيه (المجتهد) ليس بإمكانه من الناحية العلمية الشرعية أن يوجد قوانين وأحكاماً إيجاداً اعتباطياً، ثم يسبغ عليها صفة الشرعية والعلمية..
وكذلك أيضاً، فكما أنّ عالم الفيزياء والمنطق يخطئ أحياناً عند اكتشاف القوانين والقواعد العلمية، وأن هذا الاكتشاف الخاطئ لا يمثل القانون الطبيعي للفيزياء والمنطق، بل يمثل فهم العالم المكتشف الذي أخطأ في تشخيص القانون، فكذلك الحال بالنسبة للفقيه عندما يمارس عملية استخراج الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية – الكتاب والسُنَّة- فإنه قد يخطئ أحياناً في عملية الاكتشاف والاستنباط هذه، ولكن خطأه هذا ليس خطأً عشوائياً أو ارتجالياً كيفياً، بل لقصور في أدواته العلمية، أو إمكاناته الذاتية، فيقصر به الاستعداد العلمي عن تشخيص احكم الشرعي كما هو قائم بذاته في عالم الشريعة الإلهية.
ولذا كان الفقيه معذوراً عند الخطأ والقصور عن اكتشاف الحكم الصحيح متى كان الفقيه مستوفياً الشروط ومستنفداً وسعه في عملية الاستنباط.
أما أسباب الاختلاف بين المجتهدين سواءاً كان من مجتهدي المذاهب الإسلامية المختلفة – كالحنفي والشافعي والجعفري والمالكي...الخ – أو مجتهدي المذهب الواحد ، فيعود بشكل أساسي إلى:-
1. الاختلاف اللغوي حول النص من القرآن والسنة – في بعض مواردهما- لاختلاف في الإعراب وفي المعنى أو في القراءة مما يقود إلى الاختلاف في الفهم واستنباط الأحكام، كاختلافهم في إعراب آية الوضوء في قوله تعالى من سورة المائدة، آية (6):
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ ))
فالذي اعتبر (أرْجُلَكُمْ) معطوفة على (وُجُوْهَكُم) أوجب غسلهما، والذي اعتبرها معطوفة على (برُؤوْسِكُمْ) أوجب مسحهما.
وكاختلافهم في فهم معنى (القُرْء) في قوله تعالى من سورة البقرة، آية (228):-
(( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ))
فقد اختلف الفقهاء في المعنى اللغوي لكلمة (قُرْء) فبعضهم فسَّر القرء بأنه الطهر، وبعضهم فهمه وفسَّره على أنه الحيض، وكل واحد من أصحاب هذين الرأيين يعتمد على فهم وتأويل لغوي، لأنّ لفظ القرء يطلق في لغة العرب على كل من الحيض والطهر..
وبناءاً على هذا الاختلاف اللغوي اختلف المجتهدون في مدة عدّة المطلقة، هل هي ثلاثة أطهار – بعد الطلاق- أم ثلاثة أشهر كاملات، لأن المقصود بالقرء الحيض..
والحيض هنا اسم رمزي لشهر المرأة باعتباره عادة شهرية تحدث لها كل شهر مرة..
وكاختلافهم في قراءة قوله تعالى (حتى يَطهرنَ) في الآية الكريمة (222) في سورة البقرة:-
((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ))
فالذي قرأ (يطهرن) مشددة لم يجز مقاربة المرأة بعد انتهاء مدة الحيض إلاّ بعد التطهر (الغُسْل) والذي قرأها مخففة أجاز مقاربتها لمجرد حصول الطهر وهو انقطاع الدم..
أو كاختلافهم في أنَّ الأمر يفيد الوجوب أو الاستحباب، أو أنّ النهي يدل على الحرمة أو الكراهة، أو أنّ النص يفيد الحقيقة أو المجاز، أو كاختلافهم في العلاقة بين النصوص كالإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص... الخ
2. الاختلاف حول المقصود بالنص (من الكتاب أو السُنَّة) فقد يختلف المجتهدون في فهمهم لدلالة النص وقصده كاختلافهم في فهم قوله تعالى في الآية (220) في سورة البقرة:-
(({الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ))
وقوله تعالى في الآية (230) في سورة البقرة:-
(({فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا))
فقد سبب الاختلاف في فهم قوله تعالى (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)، نشوء آراء وأحكام فقهية بعضها يقرر بتحريم الزوجة على زوجها إذا طلّقها بقوله ثلاث مرات (أنتِ طالق)، بناءاً على فهمه للآية (الطلاق مرَّتَانِ) وفي الثالثة تكون قد بانت بينونة كبرى، فلا يصح له الزواج منها حتى تعتدَّ وتتزوج زوجاً غيره، فإن طلقها الأخير، فلزوجها الأول أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها...
في حين فهم فريق آخر من قوله تعالى (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) أنه لابد من تحقيق الطلاق فعلاً – وليس لفظاً- لكي تحرم الزوجة على زوجها، فالقرآن لم يقصد تكرار اللفظ، بل قصد وقوع الطلاق المسموح بعده مراجعة الزوجة – وقوعاً لعلياً- مرتين، فإن وقع الطلاق الثالث فلا يحل له الرجوع إليها...
وتوضيح ذلك:- إذا طلّق الزوج زوجته فله أن يرجع بها، فإذا رجع بها وطلّقها ثانية، فله أن يرجع بها، فإذا رجع ثم طلقها مرة ثالثة، فليس له حق الرجوع، وتحرم عليه إلاّ إذا انقضت عدتها، وتزوجت غيره ثم طلّقها هذا أو مات عنها، وانتهت عدّة الطلاق أو الوفاة، فللزوج الأول أن يتزوجها...
3. الاختلاف في أنّ هذا الحكم قد نسخ أو لم ينسخ.
4. الاختلاف بسبب قبول الروايات والأحاديث أو عدم قبولها، فبعض الفقهاء تحصل لديه –بسبب من تحقيقه العلمي- عدم ثقة بالراوي وناقل الحديث، فلا يصدق حديثه أو يرفض الحديث والرواية بسبب عدم اطمئنانه إلى المعاني والألفاظ الواردة فيه، أو يراه متعارضاً مع مفهوم قرآني، أو سُنَّة ثابتة لديه، فيرفضه ولا يقبله، في حين يقبله مجتهد آخر، وتتشكل لديه قناعة بسلامة الحديث والرواية، فيعتمدها في الاستنباط والاستنتاج...
5. الاختلاف في اعتبار حجية بعض المصادر ويرجع إليها لتحصيل الأحكام وبعضهم يرفضها أو يرفض كيفية الاستفادة منها بالطريقة التي عمل بها مجتهد آخر..
وهكذا نقف على أهم أسباب الخلاف بين مجتهدي المذاهب الإسلامية، وأصحاب الرأي فيها، لذلك كان من الضروري إخضاع الآراء الاجتهادية الخلافية بين المسلمين على النقد والتمحيص العلمي على أسس شرعية وموضوعية نزيهة وبعيدة عن التعصب والأغراض الشخصية لتحصيل الحكم الشرعي المبرئ لذمة المكلف من جهة، ولتحيق غرض الشريعة الإسلامية في الإصلاح وتوحيد الأمة من جهة أخرى .
ما هي الضوابط الموضوعية لعملية الاجتهاد والاستنباط ؟
جـ. وفي الجواب على هذه النقطة –ت- لابد لنا من أن ندوّن المبادئ الأساسية التي تُسلَك كضوابط موضوعية لعملية الاجتهاد، وهي:
1. إنّ الكتاب والسُنَّة هما المصدر الأساس والمرجع في إصدار الأحكام وتقويمها.
2. لا اجتهاد مع النص، ففي كل قضية يرد فيها حكم شرعي في كتاب أو سنة ليس من حق أحد أن يجتهد مقابل هذا النص أو يرد عليه كما في سورة الحشر، آية (7) :-
((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ))
3. ليس للموضوع الواحد في نفس الظروف والشروط إلاّ حكم واحد يمثل الرأي الشرعي السليم..
من هنا كان لابد من التفريق في عملية الاجتهاد بين الهدف والنتيجة، فالهدف تحصيل الحكم الواقعي والكشف عنه، وهو حكم واحد للموضوع الواحد.
أما النتيجة، فقد يستخرج الفقهاء أكثر من حكم واحد لموضوع واحد، ولكن كما ورد أن المجتهد الجامع للشرائط
(( لو أخطأ فله حسنة ولو أصاب فله حسنتان)
وهذا لا يعني صحة كل الآراء ولا السماح بالخلاف في الحكم، لذلك توقفت صحة الاستنباط على سلامة المنهج الاجتهادي ومصادره التي يعتمد عليها، بالإضافة إلى قابلياته الذاتية..
4. الأحكام التي يستنبطها الفقيه هي أحكام ظنية وليست قطعية، لذلك فهي خاضعة للنقاش العلمي والتمحيص الشرعي الدقيق.
5. وبناءاً على ما تقدّم في النقطة السابقة فعلينا أن نفهم أنّ منهج البحث الاجتهادي هو منهج نقدي، يخضع فيه الرأي المستنبط للنقد والتحليل والتقويم العلمي النزيه، بحثاً عن تحصيل الحكم بأسلم طريقة ممكنة، وليس هناك اجتهاد لا يقبل النص والمناقشة (لأهل الخبرة والاختصاص).
6. لابد من النزاهة والموضوعية، والتحرر من كل عصبية، ونزعة أو موروثات سلبية، أو عوامل ذاتية أو خارجية، والدفاع عنه من غير أن يخضع هذا الرأي للنقد والحوار العلمي النزيه، فالاجتهاد عملية علمية بحتة تقوم على أساس البحث والتحري العلمي النزيه.
ث. من هو الفقيه وكيف التقليد
ج. وفي الجواب عن هذه النقطة – ث – نقول:
كما أنه ليس بوسع كل واحد منا أن يكتشف قوانين الفيزياء والمنطق مثلاً – ما لم يكن ملماً بها- كذلك ليس بوسع كل واحد منا أن يمارس عملية الاجتهاد واستخراج الأحكام الشرعية ..
إذن لابد للشخص لكي يكون فقيهاً قادراً على استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من مصادرها الأصلية – القرآن الكريم والسُنَّة المطهرة أو غيرهما من المصادر المعتبرة- أن يكون محيطاً باللغة العربية إحاطة تمكنه من فهم الكتاب والسُنَّة فهماً لغوياً وعرفياً منسجماً مع عصر الوحي والرسالة...
كما أنَّ عليه أن يكون محيطاً بالقرآن الكريم وعلومه إحاطةً تمكنه من فهم واستنباط الأحكام الشرعية ..
وعليه أن يحيط بالسُنَّة المطهرة إحاطةً تمكنه من معرفة الصحيح المقبول عنها، والمدسوس الغريب عليها عن طريق دراسة الحديث ورجاله ورواته، إضافةً إلى فهم السُنَّة وظروفها، والقدرة على اكتشاف الأحكام منها، أو من خلال الربط بين القرآن وبينها..
وكما أنه من مستلزمات تكوين وإنضاج شخصية الفقيه،، أن يطلع على ما استحدث العلماء من دراسات وعلوم تساهم في عملية الاستنباط، وتساعد على تنظيم التفكير الفقهي وتعميق المنهج الاجتهادي وإخصابه كعلم أصول الفقه، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، والفقه... الخ.
وفقهاء الشريعة اليوم الذين نعتمد عليهم في استنباط الأحكام واستخراجها – كما كان سلفهم الصالح- نموذج أرقى في العلم والاستيعاب والقدرة على الاجتهاد والإغناء الفقهي...
وثمة صفات أخرى يحتاجها الفقيه والمجتهد وهي الأمانة والنزاهة والموضوعية ، لأنه باحث عن الحقيقة ومسؤول أمام الله (سبحانه) عن اجتهاده واستنباطه..
كما لابد للفقيه من أن يتمتع بالذكاء والذوق الأدبي والعرفي الرفيق، وبالفهم الدقيق والقدرة على الربط والاستنتاج ليستطيع أن يمارس عمله بدقة ونجاح.
من هنا كان للاجتهاد علماؤه وخبراؤه المتخصصون الذين يبذلون كل وسعهم وطاقتهم وإمكاناتهم الذاتية المخلصة من أجل توفير مَلَكة الاجتهاد والقدرة على اكتشاف الأحكام.
ومن خلال الأجوبة السابقة صار واضحاً لدينا، أنّ كل عمل يعمله الإنسان، أو موقف يقفه أو أي شيء يتعامل معه، لابد وأن يكون وفق حكم شرعي، وتنظيم قانوني نابع من الشريعة...
من هنا كان واجباً على كل مسلم مكلف أن يعرف الأحكام الشرعية التي تنظم نشاطه وفعالياته من عبادات ومعاملات... الخ.
ولما كانت هذه المعرفة تحتاج في أكثر الحالات إلى القدرة لاستخراجها، لذا كان من واجب المسلم عندئذٍ أن يكون مجتهداً، أو يعتمد على مجتهد مؤهل للإفتاء والأخذ عنه، فيأخذ منه الأحكام الشرعية ليعمل بها، فيؤدي واجباته، وينظم نشاطه وعلاقاته المختلفة اعتماداً عليها، وهذا الاعتماد على فتوى المجتهد، نسميه تقليداً..
فالتقليد: هو (الاعتماد على فتوى المجتهد للعمل والتطبيق)..
إذن فالتقليد: علاقة علمية بين المجتهد والعاملين بفتواه (آراؤه الاجتهادية)..
وهو ضرورة لابد منها لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد، لأنّ العمل بالإسلام وأداء الواجبات والالتزامات الشرعية جميعها يتوقف على العلم بأحكام الشريعة، والتعرف عليها، ولما كانت هذه العملية تحتاج إلى خبير بالفقه والشريعة (المجتهد) صار ضرورياً الاعتماد عليه في مقام العمل وأخذ الأحكام منه تماماً، كما نعتمد على الطبيب والصيدلي والخبير في العلوم الأخرى، عندما تدعونا الحاجة إلى طلاب المشورة العلمية وبيان ما يجب عمله أو تركه...
وإذن يجب على كل مكلف – ليس بمجتهد ولا عامل بالاحتياط()- أن يكون مقلداً لمجتهد تتوفر فيه الكفاءة الشرعية للإفتاء، ليتمكن ذلك المكلف من العمل وفق إرادة خالقه وهاديه الرحمن الرحيم وهو اللطيف الخبير .
* والحمد لله رب العالمين *
|