سيدنا سماحة المرجع:
ما هو الاجتهاد وكيف نفهم الحاجة إليه وما هو دوره وعلاقته في سلوكنا وحياتنا كأفراد ومجتمع وأمة وشعوب ؟
ج. الاجتهـاد: هو عملية علمية يمارسها الفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية الخاصة بتنظيم الحياة الإنسانية.
أو هو: عملية اكتشاف الأحكام الإسلامية واستخراجها من مصادرها الأساسية، كأحكام العبادات، والتملك، والعمل ، والمال، والقضاء، والميراث، وشؤون الأسرة ... الخ.
ولهذه العملية (الاجتهاد) دور حضاري ومدني متقدم وخطير في حياة الفرد والمجتمع والأمة، إذ يساهم الاجتهاد في تنمية الحياة المدنية والحضارية، وفتح الآفاق القانونية والتشريعية أمامها لهدم سدود الحجر والجمود والتوقف، ولولا عملية الاجتهاد هذه لتعذر تنامي النشاطات الإنسانية في إطار الحياة الإسلامية..
فالحياة الإنسانية تنمو وتتحرك وتتطور، والعلاقات الإنسانية تزداد وتتعقد، والأحداث والوقائع الإنسانية تولد وتستجد، وكل هذه المستجدات والمستحدثات كالبنوك، والشركات، وعلاقات العمل، والإدارة، والمصنوعات، والمكتشفات... الخ، من قضايا الحضارة، والمدنية بحاجة إلى تنظيم قانوني وبيان شرعي يبين تكليف الإنسان المسلم وتنظيم علاقاته ويحدد موقفه ووظيفته الشرعية...
وعملية الاجتهاد هذه هي المسؤولة عن تلبية كل هذه المطالب وتوفير الإجابة عن كل سؤال في هذا المجال ، ولولا عملية الاجتهاد لوجد المسلم الملتزم نفسه أمام موقفين لا ثالث لهما:-
الموقف الأول: هو التحجر ، والجمود واعتزال كل جديد ومتطور في الحياة لعدم معرفته بتكليفه الشرعي، وعدم وضوح الحكم الشرعي الخاص بالقضايا المستجدة في حياة الإنسان.
الموقف الثاني: هو التحلل من الالتزام الشرعي، والذوبان في كيان الحضارة والمبادئ غير الإسلامية وأخذ القوانين والمفاهيم، وتحديد المواقف والسلوك بالاعتماد على المناهج والنظريات والمبادئ التشريعية والحضارية غير الإسلامية.
وفي كلتا الحالتين يكون الموقف ضرباً لأهداف الإسلام، وإيقافاً لامتداد الشريعة الإلهية الخالدة، ومخالفة لروحها المعطاء.
ويرتبط بهذين الموقفين موقف حضاري خطير، وهو تعجيز الإسلام عن مسايرة الحياة، وقطع الطريق أمام كيان حضاري متطور للأمة الإسلامية، وغياب اللطف الإلهي عن دنيا الإنسان، وتركه للفوضى والتخبط الحضاري وكل ذلك مخالف لأهداف الإسلام ومتعارض مع روح الشريعة وقيم الرسالة الإسلامية الخالدة كما يشهد القرآن الحكيم والسنة المطهرة بذلك في سورة النحل، آية(89):
{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }
وجاء في الحديث الشريف:
( إن الله (تبارك وتعالى) أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع العبد أن يقول:- لو كان هذا أنزل في القرآن، إلاّ وقد أنزله الله فيه)().
( إنّ القرآن حي لم يمت وإنّه يجري كما يجري الليل والنهار وكما تجري الشمس والقمر ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا) ().
وبالتأمل في هذه النصوص الإسلامية الخالدة، نعرف أن القرآن هو منبع الإسلام، ومصدر شريعته، ووعاء أحكامه، وقوانينه، وقيمه، ومفاهيمه، خالد خلود الليل والنهار، ومصباح يرسل أشعة الهدى على كوكب الأرض، ما شعّت الشمس والقمر.
ولكن ليس بوسع كل واحد منا ولا باستطاعة كل فرد أن يدرك الحياة بكاملها من خلال القرآن ولا أن يستنبط قوانين الحياة وشريعة الإسلام من كنوز هذا الكتاب.
(آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزينة، ينبغي لك أن تنظر فيها)
فهذا الغنى التشريعي وهذه الثروة الفكرية الضخمة التي استوعبتها آيات القرآن يحتاج إلى جهد علمي وبيان فكري قادر على الاغتراف من ينبوع هذا الكتاب وسحب الحاجة الآتية من أكداس هذه الخزائن.
وشيء طبيعي أن إدراك العمق القرآني والمدلول التشريعي للقرآن ليس واضحاً، ولا محدداً في كل موقع وقضية، وليس بوسع المجتهد (الفقيه) أن يقوم بهذه المهمة في المرحلة الأولى. إنما هي مهمة مبلّغ الوحي، (الرسول الكريم) (صلى الله عليه وآله وسلم) المستوعب لروح الكتاب، والعارف لتأويله ومداليله، وكيفية صياغة روحه ومحتواه تشريعاً قانونياً وحكماً عملياً في الحياة بإرشادٍ إلهيٍ، وتلقٍّ واضحٍ عن طريق الوحي.
ومن هنا يتحدد دور السنة النبوية تجاه القرآن، وهو الكشف عن محتوى القرآن وصياغته قانوناً وحكماً واضحاً في حياة الإنسان في كل مجال لم يتحدد فيه هذا الحكم والوضوح، وبذا تكون العلاقة بينهما – الكتاب والسنة- تشبه إلى حدٍ كبيرٍ العلاقة بين الدستور والقانون.
فالدستور يبين الأصل الأساسي للتشريع والتقنين، فينص مثلاً على:-
(حرية التملك واحترام الملكية).
ثم يوكل الأمر إلى القانون والمشرع القانوني الذي يحدد التفصيلات القانونية، فيقوم المشرع بوضع القوانين اللازمة لتنفيذه هذه المادة الدستورية وبيان تفصيلاتها.
وهكذا السنّة المطهرة، فإنّ مهمتها ترجمة محتوى القرآن وصياغته قانوناً عملياً للحياة.
وثمة إيضاح يرتبط بهذا المثل – لابد من ذكره هنا- وهو أنّ السنة ليست اجتهاداً نبوياً لصياغة الروح القرآني، والتعبير عن محتواه تعبيراً قانونياً، كما هي الحال في العلاقة بين الدستور والقانون، بل السنَّة هي وحي وتعليم إلهي في معناها ومضمونها، غير أنَّ لفظها وإطارها اللغوي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه.
نضرب لذلك مثلاً:
نص القرآن الكريم على وجوب أداء الزكاة، ولكن يم يحدد مقاديرها ولا كل الأعيان (الأشياء) التي تجب فيها، بل السنَّة النبوية هي التي تعهدت بذلك وأوضحته وفصلته، وجاء هذا الإيضاح والتفصيل بلفظ الرسول الكريم عبارته البشرية المألوفة، ولكي يستمر هذا الدور المعطاء للسنَّة، شاء الله أن يكون لها أئمة هداة يشكلون الامتداد الطبيعي لها، ويمثلون الطرف الواعي والمستوعب لروح القرآن ومضمونه عن طريق الإعداد النبوي والتوجيه الرسالي الخاص ليستمر تيار السنَّة حياً متدفقاً يغني الحياة ويقود مسيرتها على هدى القرآن وضوء رسالته، فكان الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وكان الهداة الميامين من هذه الشجرة المباركة والصحابة الأبرار الفقهاء المنتجبين ثم كان من بعدهم فقهاء ومجتهدون يقومون بمهمة الاستنباط واستخراج الأحكام والقوانين والكشف عنها من مصادرها، لذلك كان الاستمرار على فتح باب الاجتهاد ضرورياً لمد آفاق الشريعة وإغناء المجتمع بالأفكار والقوانين اللازمة لتنظيم الحياة المتطورة..
ولذلك أيضاً كان الاجتهاد واجباً كفائياً على المسلمين، أي لابد من وجود مجتهد في كل فترة زمنية على أقل تقدير يرجع إليه المسلمون ويعول عليه في فهم الشريعة واستنباط أحكامها..
إذن فللإسلام مصدران أساسيان هما:
أ. الكتاب ، ب. السُنَّة .
هذا وقد عدَّ أصحاب المذاهب الفقهية والاجتهادية فيما بعد – مصادر أخرى احتلت موقعها- بعد الكتاب والسُنَّة في مناهج الفقهاء والمجتهدين، والحق أنَّ الشريعة الإسلامية ليست ملزمة بقبول هذه المصادر (المصادر التي اجتهد المجتهدون في الاعتماد عليها غير الكتاب والسُنَّة) إلاّ بقدر ما تثبت للتحقيق العلمي الملتزم بروح الكتاب والسُنَّة ..
وبإمكان الفقيه في كل زمان أن يلغي منها ما يراه متعارضاً مع الكتاب والسُنَّة، فليس لها موقع الشرعية ولا دور المصدر الموازي للكتاب والسُنَّة إلاّ بقدر ما تصمد أمام التحقيق العلمي والتمحيص الأصيل في ضوء الكتاب والسُنَّة.
|